.وصلت قاعة الفرح قبل الزفة بدقايق. الأنوار بتلمع، والمزيكا مالية المكان، والناس كلها لابسة شيك. مسكت إيد تاليا، وسيف وحمزة كانوا ماشيين جنبي بكل ثقة. الموظف بص للدعوة وقال باحترام:
“اتفضلي يا فندم… الترابيزة الأولى.” ابتسمت في سري. واضح إنه كان متأكد إني هاجي… لكنه عمره ما تخيل إني هاجي بالشكل ده. بعد لحظات، دخل هشام وسط التصفيق. كان لابس بدلة سودة، وابتسامته مرسومة قدام الناس. فجأة، وهو بيلف يسلم على المعازيم، عينه وقعت علينا.
ابتسامته اختفت. وقف مكانه كأنه شاف شبح. بص على سيف… ثم حمزة… ثم تاليا. التلاتة كانوا نسخة منه بشكل يخلي أي حد يعرف الحقيقة من أول نظرة. همس وهو بيقرب خطوة:
“نور… دول…؟” رفعت راسي بهدوء وقلت:
“أولاد.” بلع ريقه وقال بصوت مهزوز:
“…أولادي؟” بصيت له في عينه لأول مرة من سنين. “آه… أولادك.” فضل ساكت ثواني طويلة، وكأن كل اللي حواليه اختفى. في اللحظة دي وصلت شيرين وهي مستغربة من اللي حاصل. “هشام… في إيه؟”
مردش. كان باصص للتلاتة، وكل واحد فيهم شايل ملامح من وشه. سيف شد الفستان بتاعي وسأل بصوت عالي:
“مامي… مين عمو ده؟” القاعة كلها تقريبًا سكتت. هشام غمض عينه للحظة، وكأن السؤال أصعب من أي حاجة سمعها في حياته. قلت بهدوء:
“ده شخص كنت أعرفه زمان.” رفع رأسه بسرعة وقال:
“نور… ليه؟ ليه مخبتيش… لا… ليه مخبتيش عني إن عندي ولاد؟” أخدت نفسًا عميقًا. “فاكر آخر مرة خرجت من بيتنا؟ فاكر قلتلي إيه؟ قلتلي إني مستحيل أخلف… وإن حياتك ضاعت بسببي. وبعد الطـ,ـلاق، ولا مرة سألت، ولا مرة بصيت وراك. لما عرفت إني حامل، كنت خلاص اخترت طريقك.”
نزل برأسه للأرض. “أنا غلطت.” “أيوة… غلطت.” “كان لازم أعرف.” “وكان لازم تثق في مراتك قبل ما تصدق أي حد.” سكت. وبعدين مد إيده ناحية الأطفال بتردد. لكن حمزة استخبى ورايا. وسيف مسك إيدي أكتر. أما تاليا فبصتله باستغراب وقالت:
“إنت زعلان ليه؟” الدموع لمعت في عينه لأول مرة. في اللحظة دي، المأذون أعلن بداية عقد القران. شيرين كانت واقفة، وشايفة كل حاجة. بصت لهشام، وبعدين بصت للأطفال، وفهمت إن اللي قدامها مش مجرد موقف عابر… دي حياة كاملة كانت مخفية عنه.
قالت بهدوء:
“قبل ما نكمل… جاوبني.” رفع عينه لها. “كنت تعرف؟” “لا.” “ولو كنت تعرف… كنت هتتجوزني؟” فضل ساكت. وكان سكوته هو الإجابة. خلعت دبلة الخطوبة وحطتها في إيده. وقالت:
“أنا مستحيل أبدأ حياتي مع راجل قلبه واقف في مكان تاني.” وسابت القاعة ومشيت. عمّ الهمس بين المعازيم. أما أنا، فمسكت أولادي ولفيت علشان أمشي. ناداني هشام:
“نور… اديني فرصة أصلح اللي فات.” وقفت، لكن من غير ما ألف. وقلت:
“الفرصة اللي ضاعت كانت من تلات سنين. دلوقتي، أي علاقة بينك وبينهم هتكون علشان هما يستحقوا يعرفوا أبوهم… مش علشاني أنا.”
خرجت من القاعة، وأولادي حواليا. وأنا ماشية، حسيت إن الحمل اللي كان على قلبي من يوم الطلاق أخيرًا خف. لأن الانتصار الحقيقي ما كانش إن هشام خسر فرحه… كان إني كسبت حياتي من غير ما أخسر نفسي